2009-04-04 21:01:12 النثر العباسي

المادة مقسمة بين ثلاثة أساتذة بين الدكتورة سلامي وبين الدكتور خالد حلبوني والدكتور عبد اللطيف عمران، والدكتورة سلمي سوف تقوم باعطاء سهل بن هارون والجاحظ والمقامات.

كما سندرس في هذا الفصل ابن المقفع والتوحيدي وسنحاول أن نستطرد كثيراً في دراستهما، وفيما يخص الدراسة الأدبية في النثر سنهتم بالكتاب الذي انتُزع منه هذا النص المدروس:

يعني لابن المقفع له عدد من المؤلفات فنعطي لمحة واسعة عن هذه المؤلفات ونحن مطالبون بأن نعرّف الكتاب الذي انتُزع منه هذا النص، وباقي المراحل التي اتبعناها في الدراسة الأدبية في الشعر العباسي وهي:

الخطوات:

1- في الحديث عن العصر.

2- الحديث عن الكاتب والعلاقة بينه وبين النص أي المنهج النفسي.

- نقسم الأفكار ونقدها ونهتم بدراسة الأفكار ثم الفن التعبيري والوسائل التصويرية.

- ليس لدينا مقرر في مادة النثر العباسي.

بدايةً أريد أن أتحدث عن تطور فن النثر:

لابُد لأي ظاهرة فنية أو اجتماعية من إرهاصات لتطفو على السطح، فهي كالبذور التي تزرع ويضاف إليها الماء فتنبت لتصبح شجرة وهذا ما حدث للنثر العباسي.

ودليل ذلك أن الهجاء في القرون الأولى كان يقتصر على الشعر ودخل النثر في العصور اللاحقة (الأموي والإسلامي والعباسي)، في الإسلامي عن طريق الخطابة وكذلك الأموي، وتبلور في العصر العباسي وساعد على ذلك الثقافات الجديدة الوافدة ولاسيما في العصر العباسي نتيجة لتمازج الثقافات، وازدهر النثر على يد الجاحظ والتوحيدي ولا نستطيع إنكار فضل ابن المقفع فهو من وضع اللبنة الأولى للنثر عن طريق الترجمة.

وقد شجع المنصور حركة الترجمة إلى اللغة العربية، وقد ساعد ذلك على تبلور ظاهرة النثر الأدبي، ومما ساعد أيضاً على تطور النثر العربي تعرُّب وفود جديدة دخلت الإسلام، ففي بلاد فارس أصبحت العربية أساسية، وكادت تُنسى الفارسية وقد تعرّفت شعوب الشرق الأوسط على هذه الشعوب.

تعددت شعب النثر العربي في ذلك الزمن فأصبحنا نرى النثر التعليمي والفلسفي والتاريخي والنثر الأدبي الخالص (ابن المقفع).

ابتعد النثر العربي عن صفة التقعُّر وعن الكلام الغريب الذي يوجد فيه مصانعة واخترع لنفسه لغة وسطاً بين العامية والفصحى، وقد برع كتَّاب بالنثر يتسابقون إلى البلاغة.

وقيل من هو البليغ فقيل:

(كل من أفهمك حاجته من غير تردُّد أو استغاثة).

* أبدأ بدراسة ابن المقفع:

من المفيد جداً لمن يريد أن يدرس النثر العباسي أن يبدأ بدراسة ابن المقفع لأنه كان مخضرماً بين الدولة الأموية والعباسية، فيُعدّ رجل الارتباط ما بين الثقافتين اليونانية والعربية، وهو حلقة الاتصال بين الحضارة العربية والفارسية.

كان ابن المقفع صديقاً لعبد الحميد الكاتب وعندما سقطت الدولة الأموية بدأ الجند يبحثون عن عبد الحميد الكاتب ووجوده مختبئاً عنده، فعندما سُئِل عنه قال: أنا عبد الحميد (وهو يعرف ما لهذا الكلام من أثر) فآثر أن يسلّم نفسه بدلاً من صديقه ولكن عبد الحميد خرج وسلّم نفسه، فابن المقفع رجل الصداقة روحاً ومعايشة واجتماعاً.

وقد اهتم كثيراً بموضوع الصداقة ونلاحظ أيضاً أننا نستطيع تلمُّس مقدرة ابن المقفع على الوفاء.

فابن المقفع هو فارسي الأصل اسمه روزبة بن دازوريه أو روزيه بن دازدويه.

وسمي بذلك:

1- لأن أباه كان يعمل عند الحجاج وأرسله إلى نيسابور لجمع الضرائب، واختلس قليلاً من المال وأتى به الحجاج وضربه على يديه حتى تقفعّت (تشنجت).

2- أو لأن أباه كان يعمل بصنع القِفاع (السّلّة).

موطنه: منهم من قال: أنه ولد في بلاد الأهواز (عربستان)، أو ولد بمدينة جور أي فيروز أباد الحالية وهي مدينة جميلة جداً تقع شمال شرق إيران وإليها ينسب الورد الجوري.

وُلِدَ في السنة /106 هـ/ وعاش /26/ عاماً في ظل الدولة الأموية، وباقي حياته في ظل الدولة العباسية.

أما ثقافته:

انتقل من بلاد فارس إلى البصرة وكان مولى عن قبيلة بني الأهتم، وكانت من القبائل الفصيحة فساهمت في تكوين ثقافته ولغته العربية، وقد أخذ عن أبيه الحضارة الهندية واليونانية ودليل ذلك ترجمته لكتاب كليلة ودمنة، وقد أخذ العربية أيضاً من القرآن والحديث الشريف.

أول شهرته عندما اتصل بالمنصور وكان صديقاً لعمه عبد الله بن علي الذي كان مقيماً بالبصرة، وقد كان من الأسباب التي أدت إلى مقتل ابن المقفع بسبب كتاب الأمان حيث يقول: (ومتى غدر إمام المسلمين بعمه فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حلٍّ من بيعته).

فعندما قرأ المنصور هذا الصك بدأ يبحث عن كاتبه فأدرك أن عمه لا يستطيع أن يكتب هذا وعرف أنه ابن المقفع فدبر له تهمة الزندقة، وقد قيل إن سفيان بن معاوية كان والياً على البصرة وكان يسخر منه ابن المقفع فكان إذا دخل إليه فيقول السلام عليكما إشارة منه أن السلام الأول إليه والثاني لأنه كبيرٌ، وكان يسخر منه كثيراً فدبر له مكيدة أيضاً.

وموته نقطة سوداء في تاريخ العرب من حيث صنع سفيان تنوراً خاصاً وقطّع جسده ووضعه في التنور وقبل ذلك قال له: (والله يا بن الزنديقة لأحرقنك بالدنيا قبل نار الآخرة).

وأجابه ابن المقفع:

إذا ما مات مثلي مات شخص
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

يموتُ بموته خلقٌ كثيرٌ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

وأنت تموت وحدك ليس يدري
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

بموتك لا الصغير ولا الكبيرُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

وكان ابن المقفع فصيحاً بليغاً وعلماً من أعلام الترجمة ورائداً من رواد النثر، وكان وسيماً يتمتع بجمال الطلعة، ودمائةِ الطبع، وحسن المعشر، وقد أشاد الجاحظ به وقال عنه: (كان جواداً فارساً جميلاً).

وقال محمد كرد علي في ابن المقفع:

(صحة الإيمان وحب الإسلام صفتان ماثلتان في ابن المقفع، لأنه دان بالإسلام عن عقيدة وعلم).

كان ابن المقفع شاباً وسيماً نابهاً يحبُّ الحياة ويقبل على الدنيا وعلى مباهجها، وكان يتعاطى بعض الشراب من نبيذ أهل العراق الذين أفتى بحله فقهاءهم حيث يقول:

سأشربُ ما شربت على طعامي
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

ثلاثاً ثمّ أتركهُ صحيحاً
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

فلستُ بقارفٍ منه أثاماً
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

ولستُ براكبٍ منهُ قبيحاً
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

يقول عنه محمد عقباني:

(هو أعظم بوتقة انصهرت فيها الثقافات العربية والفارسية، وأعظم جدول انضبّ فيه التياران الفارسي والعربي على السواء).

من مؤلفاته:

1- كليلة ودمنة.

2- الأدب الكبير والصغير.

3- الدرة التيمية الأولى.

4- الدرة التيمية الثانية.

5- رسالة الصحابة.

من الكتب التي ترجمها عن اليونانية:

1- غاتا غورياس (كتاب المقولات).

2- باري أرميناس (كتاب العبارة).

3- أنا لوطقية (تحليل القياس).

كما ترجم كتاب فرفوريوس الصوري (أي المدخل إلى كتاب المنطق).

الكتب التي ترجمها عن الفارسية:

خدينامه (في السير الفارسية).

آيين نامه: ويبلغ آلاف الصفحات تحدث فيه عن عادات الفرس.

وتعني (جملة المعارف من الآداب والفنون التي ينبغي أن يلمّ بها من يريد أن يتولى منصباً).

فهناك: آيين الحرب

       آيين الطعام

       آيين السياسة

3- كتاب مَزْدك: وهذا رجل زعيم إحدى الفرق المجوسية.

4- كتاب التاج في سيرة أنو شروان.

5- كتاب الكيليين:

وهو كتاب معظّم عند الفرس يتضمن سير الملوك وتاريخ الحضارة الفارسية.

من خلال ذلك يتبين أن ابن المقفع قد ألمّ في كل الحضارات القديمة واطلع على حصيلة أفكار اليونان والفرس والهنود.

كتاب الأدب الكبير:

كتاب على صغر حجمه أكبر حجماً من الأدب الصغير لا تكاد عدد صفحاته تتعدى السبعين، ولا يختلف في مضمونه كثيراً عن الأدب الصغير، ما يميّزه وجود المقدمة المسهبة في بدايته فهو يشيد بمنزلة القدماء وضرورة الاقتداء بسيرتهم، والأخذ عنهم والاستفادة من غزير علمهم.

ويُقسم الكتاب إلى قسمين:

1- في أدب السلطان ونظام سياسة الدولة.

2- في آداب الاجتماع وعلاقة المرء بأخيه.

والجدير بالذكر أن معظم كتاباته ركزت على هذه الأمور.

فهو بذلك أوضح منهجاً من الأدب الصغير، وفي قسمه الأول يتناول علاقة الراعي بالرعية ويبحث في شؤون الحكم والولاة، وكان ابن المقفع يتمتع بخبرة كافية في هذا المجال (من البلاط الساساني وسيرة أكاسرة الفرس وتقلّده لدواوين بني أُمية وبني العباس).

وكان ينصح السلطان قائلاً (إياك إذا كنت والياً أن يكون من شأنك حبُّ المدح والتزكية وأن يعرف الناس ذلك منك، واعلم أن قابلَ المدح كمادح نفسه)، فهو يدعو السلطان أن يتحلى بالاتزان وينأى عن الخفّة ويحذر من النفاق والمنافقين، ويحذر أيضاً من مصاحبة السلطان والتروي في معاشرته.

القسم الثاني من الكتاب:

بدأ فيه بموضوع الصداقة (ابذل لصديقك دمك ومالك)، واعتقد أنه كان يفصُلُه عن مجتمعه هُوّةً كبيرة في هذا القول فظلّ بوادٍ والمجتمع بوادٍ آخر أمام تشعّب الحياة وتعقيداتها وتشابك العلاقات الإنسانية مما اقتضى السير في تفسير هذه الظاهرة فيما بعد على يد التّوحيدي وغيره.

الكتاب الثاني:

رسالة الصحابة:

الرسالة في شؤون السياسة والإدارة، والذي يميز هذه الرسالة عن غيرها أنه كتبها لأبي جعفر المنصور وخصّه بها، ورأى هنا أن الأسماء تسمى بمسمياتها على خلاف الرسائل الأخرى التي كتبها.

فعند ذكر أهل خراسان أثنى كثيراً على هؤلاء القوم وعلى جند خراسان خاصة،  ويمكن أن يكون الأمر مفتعلاً عند ابن المقفع كونهم أبناء قومه أو أنهم ظُلموا في حكم ولاية المنصور يقول:

 (فإنهم جندٌ لم يُدرك مثلهم في الإسلام وهم أهلُ بَصرٍ بالطاعة وفضلٍ عند الناس، وعفافِ نفوس وخروج وكفّ عن الفساد).

وفي نهاية الموضوع يعود إلى الخليفة ليذكّره بألاَّ ينشغل بشيء عنهم.

(فلا يخفى على أمير المؤمنين شيء من أخبارهم وحالاتهم وباطن أمرهم كذلك أهل العراق وأهل الشام).

فهو يوصي الخليفة خيراً بأهل الشام بل يحذّره من مغبّة التهاون في شأنهم وعدم إبلاغهم حقوقهم فإنهم أشرُّ الناس مؤونةً وأخوفهم عداوةً وبائقةً.

فمن خلال هذا القول ندرك:

أن ابن المقفع كان عليماً بملامح المجتمعات العربية والإسلامية في عصره وما قبل عصره إذا ما عرفنا أن مركز الخلافة الأموية كان في بلاد الشام.

أرى هنا تحليلاً نفسياً عميقاً وموضعياً لطبيعة النفوس كما ينطوي في الوقت نفسه على نضج سياسي كبير وبعدِ نظر، فهو يدعو الخليفة إلى ترك الحقد والكراهية والهوى وإتباع سياسة جديدة بصدد أهل الشام.

وهذا  نص يجب دراسته دراسة لغوية:

 

                          العقل ودوره في الحياة الإنسانية

 -1-

للعقول سجيَّاتٌ وغرائزُ بها تقبلُ الأدب. وبالأدبِ

تنمي العُقُولُ وتزكو.

فكما أن الحبّة المدفونة في الأرض لا تقدرُ أن تخلعَ

       يبسها وتُظهرَ قوتّها، وتطلُع فوق الأرض بزهرتها، وريعها، ونضرتها،

ونمائها إلا بمعونة الماء، الذي يغُورُ إليها في مستودعها،

فيذهب عنها أذى اليبسِ والموت، ويُحدث لها- بإذن الله-

القوة والحياة، فكذلك سليقة العقل مكنونةٌ في مغرزِها

من القلب: لا قوة لها، ولا حياة بها، ولا منفعة عندها، حتى

يعتملها الأدب الذي هو ثمارُها، وحياتُها، ولقاحُها.

وليعلم أن على العاقل أموراً، إذا ضيّعها حكم عليه عقلُهُ

بِمُقارنة الجُهّال.

-2-

فعلى العاقل أن يعلم أن الناس مشتركون، مستوون في

الحُبّ لما يُوافق والبغضِ لما يؤذي، وأن هذه منزلةٌ اتّفق

عليها الحمقى والأكياسُ، ثم اختلفوا بعدها في ثلاث

خِصال هُنّ جِماعُ الصّواب، وجِماعُ الخطاءِ، وعِندهُنّ تفرّقتِ

العلماء والجُهّالُ، والحزمةُ والعجزةُ.

-3-

الباب الأول

من ذلك: أن العاقل ينظرُ فيما يؤذيهِ،

وفيما يسرُّه، فيعلم أنَّ أحقَّ ذلك بالطّلب إن كان ممَّا

يُحبُّ وأحقّهُ بالاتقاء إن كان مما يكرهُ أطوله، وأدومه،

وأبقاه: فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا، وفضل

سرور المروءة على لذّة الهوى، وفضل الرأي الجامع

الذي تصلحُ به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي، الذي

يُستمتعُ به قليلاً ثم يضمحلُّ، وفضلَ الأَكلاتِ على

الأكلةِ، والسَّاعات على السَّاعة.

-4-

الباب الثاني: أن ينظر فيما يُؤِثرُ من ذلك،

فيضع الرجاء والخوف فيه موضعهُ. فلا يجعلُ اتقاءه لغير

المخُوفِ ولا رجاءه في غير المُدرك. فيتوقىّ عاجل اللذاتِ

طلباً لآجلها، ويحتملُ قريبَ الأذى توقيّاً لبعيده. فإذا صار

إلى العاقبة، بدا له أن قراره كان تورطاً وأنَّ طلبه كان تنكُّباً

 

الباب الثالث: هو تنفيذُ البصرِ بالعزمِ، بعد

المعرفة بفضلِ الذي هو أدومُ، وبعد التَّبُّت في مواضِع

الرجاء والخوف، فإن طالب الفضل بغير بصر تائهٌ حيرانٌ،

ومبصرُ الفضلِ بغيرِ عزمٍ، ذو زمانةٍ محرومٌ.

-5-

وعلى العاقل مُخاصمةُ نفسه، ومحاسبتها، والقضاء عليها،

والإثابةُ، والتنكيل بها.

أما المُحاسبة، فيحاسبها بما لها. فإنه لا مال لها إلا

أيامها المعدودة، التي ما ذهب منها لم يُستخلف كما تُستخلفُ

النَّفقة، وما جُعِلَ منها في الباطل لم يرجع إلى الحقّ.

فيتنبّه لهذه المحاسبة عند الحولِ إذا حال، والشهر إذا

انقضى، واليوم إذا ولّى. فينظر فيما أفنى من ذلك، وما

كسب لنفسه، وما اكتسبت عليها: في أمر الدين وأمر

الدنيا. فيجمعُ ذلك في كتابٍ فيه إحصاءٌ، وجدٌّ، وتذكيرٌ

للأمور، وتبكيتٌ للنفس، وتذليل لها حتى تعترف وتُذعن.

-6-

وأمَّا الخصومةُ، فإن من طِباع النفس الآمرة بالسُّوء

أن تدَّعي المعاذير فيما مضى، والأماني فيما بقي، فيرُدّ عليها

معاذيرها، وعللها وشُبهاتِها.

وأمَّا القضاءُ، فإنَّه يحكمُ فيما أرادت من ذلك على

السيئة بأنها فاضحةٌ مُرديةٌ موبقةٌ، وللحسنة بأنها زائنة

مُنجيةٌ مُربحةٌ.

وأما الإثابة والتنّكيل، فإنه يسرُّ نفسه بتذكر تلك

الحسنات، ورجاءِ عواقبها، وتأميل فضلها، ويُعاقب نفسه

بالتّذكر للسيئات، والتَّشبّع بها، والاقشعرار منها، والحزن لها.

فأفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بهذا أخذاً، وأقلهم

عنها فيه فترةً.

-7-

وعلى العاقل- ما لم يكن مغلوباً على نفسه- أن لا

يشغله شغلٌ عن أربع ساعاتٍ: ساعةٍ يرفعُ فيها حاجته إلى

ربّهِ، وساعةٍ يُحاسب فيها نفسه، وساعةٍ يُفضي فيها إلى

إخوانه وثقاته الّذين يصدقونه عن عيُوبه، وينصحونه في

أمره، وساعةٍ يُخلي فيها بين نفسه وبين لذتها مما يحلُّ

ويجملُ. فإن هذه الساعة عون على الساعات الأُخر، وإن

استجمام القلوب وتوديعها زيادة قُوّةٍ لها، وفضلُ بُلغةٍ.

-8-

وعلى العاقل أن لا يكون راغباً إلاَّ في إحدى ثلاثٍ:

تزوُّدٍ لِمعادٍ، أو مرمّةٍ لِمعاشٍ، أو لذّةٍ في غير محرمٍ.

-9-

وعلى العاقل أن يعرف أن الرأي والهوى مُتعاديان،

وأن من شأن الناس تسويف الرأي وإسعاف الهوى.

فيخالف ذلك، ويلتمسُ أن لا يزال هواه مُسوّفاً، ورأيه مُسعفاً.

وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمران فلم يدر في أيهما

الصَّوابُ أن ينظر أهواهُما عندهُ، فيحذَرهُ.

ë سهل بن هارون:

نسبه وأصله: هو أبو عمرو سهل بن هارون بن رهبون لا يُعرف من أسماء أجداده سوى هذا الجد القريب وهو من الموالي الفرس.

نشأته وثقافته وعصره:

وُلد في بلدة ميسان وتقع بين الأهواز والبصرة وقيل هو من أهل نيسابور.

تاريخ ولادته مجهول غير أنه يمكننا القول: إنه وُلد في إحدى سنوات النصف الأول من القرن الثاني، لأنَّ الجاحظ وهو أصغر منه قد وُلد سنة 159هـ على الأرجح، ولأنَّ سهلاً كان قد بلغ أشده عندما اتصل بهارون الرشيد. وفاته سنة 215هـ.

غادر سهل موطنه إلى البصرة وكانت البصرة في القرن الثاني للهجرة مصدر حركة أدبية ونشاط فكري عظيم، وكانت الثقافات الأجنبية أكثر شيوعاً فيها من الكوفة وبغداد وذلك بحكم موقعها وكثرة الأجناس المختلفة المتعايشة بها.

أبرز تيارات الثقافة الأجنبية التي كانت تصب في جدول الثقافة العربية في ذلك العصر هو تيار الثقافة الفارسية وما تحمله في طياتها من روافد الآداب القديمة وخاصة الأدب الهندي.

قد لا تكون نشأة سهل العلمية تختلف عن نشأة حياة الموالي في البصرة فإنَّه كان حريص على تأديبهم بآداب الإسلام، فكانوا يتوجهون إلى الكتّاب ويلقون علوم العربية دون أن يترك آباءهم الاهتمام بأغذيتهم وبثقافتهم القومية الخاصة.

ولم يكن الموالي المتعلمون يطمحون إلى وظيفة أفضل من الانخراط في إحدى دواوين الخلافة وخاصة ديوان الرسائل.

ولهذا الغرض نفسّر انتقال سهل بن هارون إلى بغداد بعد تخرجه من البصرة.

وأول ما تطالعنا أخباره ببغداد نجدها في خلافة هارون الرشيد، ومن الواضح أن أقصر طريق لسهل للوصول إلى قصر الخلافة هو الاتصال بالبرامكة أصحاب النفوذ وأبناء جلدته.

أول عمل مارسه سهل في ظل البرامكة يرجع الفضل فيه إلى يحيى بن خالد البرمكي فقد كلفه بتحصيل أرزاق العامة بين يديه حين كان مع الرشيد في الرقة.

ويصرّح سهل بأن يحيى بن خالد اصطفاه ليكون كاتبه الخاص فقد كان يجلسه بين يديه يكتب له توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه، وربَّما كلفه بإكمال بعض المعاني ويحيى مطمئن في ذلك إلى أن سهلاً يؤدي عنه أحسن الآداب ويوفي بأساليب البلاغة إلى غايتها، ولم يكن سهل كاتب يحيى البرمكي فحسب وإنَّما كان تلميذ في الفصاحة والبلاغة فقد تطور الفن على يديه.

وقد أدرك سهل طبقة من المتكلمين في عصره يشهدون ليحيى ولغيره من كتّاب البرامكة بأن البلاغة لم تستكمل إلاَّ فيهم ولم تكن مقصورة إلاَّ عليهم ولا انقادت إلاَّ لهم وأنَّهم قد وُهبوا جزالة منطق وسهولة لفظ.

وحين أوقع الرشيد بالبرامكة عام 184هـ جزع سهل جزعاً شديداً وأسف أسفاً وحزناً على البرامكة لأنه خاف على نفسه لكنّ الرشيد أخلف ظن سهل فهو لم يقتله بل ورّثه مجد البرامكة وأحلّه محل يحيى وهذا يعني أنه استوزره.

لقد أبقى الرشيد على سهل لحاجته إليه كما صرّح بذلك، إذ كان معجباً بفصاحته وبلاغته، وكانت مهام الوزارة والكتابة تجري على مرأى من سهل وربَّما أشركه يحيى بالقيام بكثير منها وبذلك كان أفضل من يختاره الرشيد لهذه المهمة.

ولما تولى المأمون الخلافة لم ينجح سهل في البقاء لديه على الشأن الذي بلغه عند والده لكن الفضل بن سهل (هو من أسرة فارسية أطلق المأمون أيديهم في شؤون الحكم) وقد جانبه لسهل بن هارون واستوصى به خيراً عند المأمون وجعله المأمون قيّماً على بيت الحكمة وظلّ بها إلى أن توفي.

شعوبيته: اتُّهم سهل بالشعوبية ولكننا لا نعلم أنه قد كان ينتقص من العرب.

أمَّا ما يُقال عن رسالته التي وضعها في امتداح البخل قال بعضهم: أنَّها قائمة على الحط من القيم الثابتة للعرب وهي الجود ولكن سنرى كيف يمكن أن يكون قد وضعها لغير هذا القصد، وربَّما كانت حظوته عند الخليفة وتوليته ديوان الرسائل وقيامه على خزائن بيت الحكمة وما عُرف به من سحر البيان والبلاغة سبباً لكي يتهمه الحاسدون بالشعوبية كنقمة عليه وتحرشاً به.

وكان الجاحظ على نفرته الشديدة من دعوى الشعوبية وحمله على أصحابها يحتفظ بقدر عظيم من الإجلال والتقدير لسهل بن هارون يقول في وصفه:

«كان سهل سهلاً في نفسه عتيق الوجه، حسن الشارة، بعيداً عن الفدامة (العيّ) تقضي له بالحكمة قبل الخبرة وبرقّة الذهن قبل المخاطبة، وبدقّة المذهب قبل الامتحان والنبل قبل التكشف».

وربَّما تكون دعوى الشعوبية لصقت بسهل من صحبته للبرامكة الذين عُرفوا بشعوبيتهم وكان أشهر أفرادهم في ذلك محمد بن الجهم البرمكي وهو الذي انصبت عليه نقمة الجاحظ.

آثاره الكتابية:

ذكر الجاحظ أن لسهل بن هارون شعراً وخُطباً ورسائل طوالاً وقصاراً وكتباً مجلدة، وله سيرٌ حسان مولّدة وأخبارٌ مدونة، ونستطيع أن نستنتج من إحصاء أسماء كتبه أنه صنّف كتباً عديدة وجميع كتبه تصنيف أو تأليف ليس بينها ترجمة واحدة أشار إليها من ترجم له وهذا أمر ملفت لعلمنا بمعرفته للفارسية وربَّما اليونانية وقيامه على خزائن بيت الحكمة التي استقبلت في عهده أعظم ثروة من كتب اليونان.

وما أحصيناه من كتبه من مصادر مختلفة تضم حوالي سبعة عشر كتاباً وربَّما زاد على ذلك وهم:

1- كتاب النمر والثعلب: وهو كتاب عُثر عليه وتم تحقيقه ونشره.

2- ثعلة وعفراء: وهو عبارة عن قصة جرى فيها على غرار كليلة ودمنة وهي مجموعة حكايات على لسان الحيوان قيل إنه عارض بها كليلة ودمنة لابن المقفع.

3- نصرةٌ وعصرة: عارض به كتاب كليلة ودمنة.

4- الوامق والعذراء: ذكره ابن النديم ويحمل عنوان على الاعتقاد بأن موضوعه في الحب به شيئاً من خصائص قبيلتي بني مخزوم وبني هزيل.

6- ندود وودّود ولدود.

7- أسلَ بن أسلَ أو أسد بن أسد.

8- الضربين.

9- الغزالين.

10- كتاب اسباسيوس في اتحاد الإخوان وسماه الجاحظ كتاب الإخوان.

11- كتاب المسائل.

12- كتاب إلى عيسى بن أبّان في القضاء.

13- تدبير الملك والسياسة.

14- سيرة المأمون وهذا يفسر قول الجاحظ وله سير حسان مولدّة.

15- كتاب البخل أشار إليه الجاحظ وهو يقصد رسالة البخل التي صدّر بها كتابه البخلاء.

16- رسالة في مثالب الحراني.

ذكره أبو حيان التوحيدي في كتابه مثالب وزيرين.

17- كتاب في الرياض.

فمن هذه الكتب نلاحظ أن ثقافته متنوعة.

أدبه: قال جعفر بن يحيى البرمكي (عبد الحميد أصل وسهل بن هارون فرع وابن المقفع ثمر وأحمد بن يوسف زهر).

وقال الجاحظ «ومن الخطباء والشعراء الذين جمعوا الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار والكتب الكبار المجلدة والسِّير الحسان المدوّنة والأخبار المولدة سهل بن هارون بن راهبوني الكاتب».

معنى ذلك أن سهلاً قد جمع الأدب من أطرافه وضرب بقدم في كافة ميادين البلاغة في عصره ولا يستغرَب في ذلك ممن روى من الشعر أحسنه وأجوده ومن الحديث أصحه وأبلغه ومن البيان أفصحه وأوضحه كما قال الرشيد عنه.

غير أن سهلاً اشتهر بالكتابة أو بالنثر، ولا نعرف أنه دوّن في الشعر ديواناً، وليس بين أيدينا الكثير من شعره، وله أبيات في بعض كتب الأدب تدور في أغراض شتى منها الاستعطاف والمدح والرثاء والغزل وهذا يعني أنه نظم في مختلف أغراض الشعر.

يقول في رثائية رواها له الأخفش:

تلنفني همانُ قد كسفاَ بالي
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

وقد تركَا قَلبي محلةً بلبالِ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

هما أذر يا دمعي ولم تذري عبري
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

ربيبة خدر ذات سمت وخلخال
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

ولكنني ابكي بعين سخية على جلل
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

تبكي له عين أمثالي
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

ويمدح يحيى بن خالد فيقول:

عدو تلاد المال فيما ينوبه
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

منوع إذا ما منعه كان أخرما
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

وقد بدأ سهل في قرض الشعر منذ صغره فحين كان يختلف إلى الكتّاب في البصرة صادفه جار لهم له بغل مريض فقال له سهل متندراً:

نبئت بغلك مبطوناً فرغت له
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

 

فهل تماثل أم نأتيك عوادا
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

وفي هذا دليل على حبه للفكاهة والتندر منذ صغره.

وربَّما كان سهل يحول الشعر ليحقق التنوع في فنون التعبير.

أمَّا خطابته:

فبعض ما بقي من خطبه يدل على أنه كان خطيباً مفوهَّاً حاضر البديهة سريع توارد الفكر على ذهنه قوي البيان سليم المنطق سلس العبارة، فقد روي أن المأمون كان قد استثقل سهل بن هارون فدخل عليه سهل يوماً والناس عنده في منازله فتكلم المأمون بكلام فذهب فيه على مذهب فلمّا فرغ المأمون من كلامه أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع فقال:

«ما لكم تسمعون ولا تعون وتشاهدون ولا تفهمون وتنظرون ولا تبصرون والله إنه ليفعل ويقول في اليوم القصير مثلما فعل بنو مروان وقالوا في الدهر الطويل: عربكم كعلمكم وعجمكم كعبيدكم ولكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء».

قيل: فرجع له المأمون بعد ذلك إلى الرأي الأول.

ويُحكى أن سهلاً شهد مجلساً من مجالس الملوك وقد حضر فيه شدّاد الحارثي فأخذ شدّاد يعدد خصال طباع الذهب فحسده سهل بن هارون على ما حاضره من الخطابة والبلاغة فقال يعترض عليه ويعيب الذهب ويفضّل عليه الزجاج:

«الذهب مخلوق والزجاج مصنوع وإن فضل الذهب بالصلابة وفضل الزجاج بالصفاء ثم الزجاج مع ذلك أبقى على الدفن والغرق، والزجاج مجلوٌ نوراني والذهب متّاع سائر والشراب في الزجاج أحسن منه في كل معدن ولا يُفقد معه وجه النديم ولا يصقل اليد ولا يرتفع في السَّوم واسم الذهب يُتطيَّر منه ولا يُتفاءَل به وإن سقط عليك قتلك…… ومن لؤمه سرعته إلى بيوت اللئام وملكهم وإبطاؤه عن بيوت الكرام وهو فاتن لمن صانه وهو أيضاً من مصائد إبليس ولذلك قالوا:

أهلَكَ الرجال الأحمران (الذهب والزعفران)، وقدور الزجاج أطيب من قدور الذهب وهي لا تصدأ ولا يتداخل تحت حيطانها ريح الغمر، وإن اتسخت فالماء وحده لها جلاء ومتى غُسلت بالماء عادت جدداً ولها مرجوع حسن……».

وأطال سهل في كلامه وقيل: فلم يبق في ذلك المجلس أحدٌ إلاَّ تحيّر فيه وشقّ عليه ما نال من نفسه بهذه المعارضة وأيقنوا أن ليس دون اللسان حاجز أنه مخراقٌ يذهب في كل فن.

هذه المناظرة في تفضيل الزجاج على الذهب طريفة حقاً وطرافتها ليس في أنَّها تمثل لنا قدرة سهل الخطابية وطول باعه في البلاغة فحسب وإنَّما لأنَّها توقفنا على ناحية مهمة في ثقافة سهل وهي معرفته بخصائص الأشياء.